
أنقرة ـ القاهرة و«الثالث المرفوع»
د. إبراهيم البيومي غانم - السبيل ـ يومية أردنية
زيارة عبد الله جول الرئيس التركي للقاهرة الأسبوع الماضي جاءت بعد يومين فقط من حمى دبلوماسية التقى فيها الرئيس مبارك نتنياهو، وعباس، وميتشل مبعوث السلام في الشرق الأوسط.. ويوحي هذا التحرك المكثف بكثير من الريبة، ويبعث على القلق والتشاؤم، أكثر مما يدعو للاطمئنان والتفاؤل. ما لفت النظر في زيارة جول للقاهرة (20ـ21/7/2010) موضوعان: أحدهما كان حاضراً بكثافة في التصريحات الرسمية والتغطيات الإعلامية التي صاحبت وأعقبت الزيارة، والثاني كان غائباً، رغم أنه يحمل الكثير من المعاني ذات الأهمية الإستراتيجية التي تخص احتمالات الحرب والسلام في المنطقة.
الموضوع الأول هو الحديث المكثف عن "تطمينات" تركية لمصر بأن دورها في عملية السلام محفوظ، وأن الدور التركي "مكمل" للمصري وليس بديلاً. وأن تركيا لا تسعى لاختطاف دور مصر في المصالحة بين فتح وحماس، أو في القضية الفلسطينية عامة.
وليس مألوفاً ولا معروفاً في العلاقات الدولية؛ أن دولة ما تطمئن على دورها الإقليمي أو العالمي بمجرد تصريحات شفوية من هنا أو هناك، حتى ولو كانت على لسان أرفع المسؤولين. صحيح أن مثل هذه التصريحات أفادت في تهيئة أجواء إيجابية لزيارة جول، وأفادت أيضاً في الرد على محاولات الوقيعة التي تقوم بها دوائر الإعلام الصهيوني بين مصر وتركيا، ولكنها وحدها ليست كافية لا للمحافظة على "دور" أي دولة وتفعيله، ولا للحد من دور دولة أخرى وتهميشه.
تصريحات سليمان عواد المتحدث باسم الرئاسة المصرية غداة زيارة الرئيس التركي كشفت هزال الرؤية التي يتبناها المسؤولون المصريون عن دور مصر ومكانتها في المنطقة، وأوضحت أن مكانة الدولة المصرية الكبيرة، أقل كثيراً من إمكانياتها الهائلة؛ بسبب قصور الرؤية، وسوء الإدراك عند صناع القرار، لا بسبب نقص هذه الإمكانيات. ويكفي أن نعيد قراءة بعض تصريحات عواد التي قال فيها إن "مصر لا تبحث عن دور إقليمي؛ لأن هذا الدور مكفول لها ومنذ سنوات عديدة". ولنا أن نتساءل: من الذي كفله؟ وإذا كان مكفولاً ومعترفاً به فلماذا كل هذه الضجة حول التحركات التركية باتجاه المنطقة والقضية الفلسطينية؟. تصريحات عواد لا تعبر إلا عن حالة التمزق والتشتت التي تتسم بها السياسة الخارجية المصرية منذ فترة ليست قصيرة، وتقدم دليلاً إضافياً على أنها تمتلئ بالتناقضات الصارخة إلى حد فقدان المنطق. خذ مثلاً ما قاله من أن مصر ترحب بأي دور تركي أو عربي أو إقليمي أو دولي يحقق أهداف الدور المصري"(!!!). ودعنا الآن نتساءل: هل هذا ما قصده بقوله إن دور مصر مكفول ومعترف به؟ ومتى كان دور الدولة تحققه أداور دول أخرى؟؟ وهل هذا منطق مقبول أو معقول في عالم السياسة؟!.
الموضوع الثاني هو الغياب السوري حتى الآن من مثلث العلاقات: المصرية ـ التركية ـ السورية. والحقيقة أن هذا الغياب يحدث بشكل تبادلي مريب بين أضلاع هذا المثلث؛ فعندما كانت علاقات كل من سوريا ومصر إيجابية مع تركيا في منتصف التسعينيات، كادت الحرب تقع بين سوريا وتركيا بسبب إيواء سوريا لحزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله أوجلان، نكاية في تركيا وللضغط عليها في قضية مياه الفرات ولواء الإسكندرون، وآنذاك سقط الضلع السوري التركي من مثلث القوة الإقليمي للدول الثلاث. آنذاك كان لمصر إسهام في تجنيب الطرفين الانزلاق إلى هاوية الصدام المسلح. ولكن في الوقت الذي بقيت فيه علاقات مصر إيجابية مع تركيا، وتحسنت العلاقات التركية السورية استراتيجياً وسياسياً واقتصادياً وأمنيا، فوجئنا بتدهور العلاقات المصرية السورية، ولا تزال متوترة إلى اليوم، وهكذا سقط الضلع المصري السوري من المثلث نفسه، ولا يزال محذوفاً، وكأن قانون العلاقة بين الدول الثلاث يشبه ـ مع الفارق ـ قانون الثالث المرفوع، أو الثالث الممتنع الذي يعرفه أهل المنطق.
الملفت أن الدوائر المصرية السياسية والإعلامية لا تفتأ تستذكر إلى اليوم ما أسهم به الرئيس مبارك في إنقاذ العلاقات التركية السورية من التدهور نهاية التسعينيات. ولكن بينما يسود التوتر العلاقات السورية المصرية وتتراشق القاهرة ودمشق إعلامياً، نجد تركيا وسوريا تتبادلان الزيارات الرئاسية، وتوقعان عشرات الاتفاقات في عديد من المجالات. وبينما يتعمق التواصل التركي السوري، يزيد الجفاء المصري السوري، وهكذا الحال منذ خمس سنوات. وذهبت سدى كل التكهنات التي راجت أعقاب القمة العربية في سرت مارس الماضي بقرب قيام الرئيس السوري بزيارة القاهرة. بينما تردد رئيس وزراء العدو الإسرائيلي على مصر أكثر من مرة خلال الشهور القليلة الماضية!.
ما يستعصي على القبول أيضاً النصيحة التي قدمها عواد للجانب التركي بأن يزيل التوتر القائم مع "إسرائيل" منذ حادثة قافلة الحرية. فمما قاله في تصريحاته المنشورة: "إذا أمكن لتركيا أن تواصل دورها فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، فإن توتر علاقاتها مع "إسرائيل" لا يساعد على ذلك، والجانب التركي هو أول من يتفهم ذلك". والأولى بهذه النصيحة الغالية هو صناع السياسة الخارجية المصرية في علاقاتها مع سوريا. هذه النصيحة يمكن أن نعيد صوغها لتكون: "إذا أمكن لمصر أن تواصل دورها فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، فإن توتر علاقاتها مع سوريا لا يساعد على ذلك، والجانب المصري هو أول من يفهم ذلك". نقول هذا ليس فقط لأن الاعتبارات التي تخص "إسرائيل" هي نفسها التي تخص سوريا من منظور التحرك صوب السلام، أو الاستعداد للحرب في المنطقة، ولكن أيضاً لأن سوريا أكثر من "إسرائيل" قرباً، وأكثر أهمية بالنسبة لمصر وأفقها الاستراتيجي الإقليمي عامة، والمتعلق باحتمالات الحرب والسلام في المنطقة بشكل خاص.
الحسابات الخاطئة من طرفي العلاقات السورية/المصرية كثيرة ومتكررة، ويتحمل الجانبان المسؤولية الكاملة عنها، ولا مجال للتعلل بأي علل بقصد التهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم على أطراف أخرى إقليمية أو دولية. فمصر تتحسب وتتحسس دون مبرر من سوريا بسبب علاقاتها المتميزة مع إيران، ولأن سوريا وإيران تدعمان حزب الله وحماس؛ ولكن سوريا لا تفعل شيئاً يذكر ـ دون مبرر أيضاً ـ لطمأنة مصر وإزالة حساسياتها، ولم تقم دمشق للآن بأي مبادرة لتوظيف علاقاتها الجيدة مع طهران لإزالة جفوتها المزمنة مع القاهرة، ويبدو أن أنقرة هي الأخرى غير معنية بهذه المسألة، رغم أن علاقاتها الإيجابية مع طهران لا تقل قوة عن علاقات دمشق معها.
أيضاً لم تكن السياسة المصرية موفقة عندما استقبلت في يونيو الماضي سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية، الذي اجتمع بالرئيس مبارك ورئيس المخابرات العامة، وأمين عام الجامعة العربية؛ فإضافة إلى السجل الأسود لجعجع وقواته في الحرب الأهلية اللبنانية، هو لم يعد يمثل سوى هامش من هوامش السياسة في لبنان، وخاصة بعد تحسن العلاقات السورية اللبنانية. فما الذي تشتريه القاهرة من جعجع؟ وهل تنسجم تصريحات جعجع عن أن "الوضع في قطاع غزة لن يستقيم إلا بعد عودة السلطة الشرعية الفلسطينية إليه" مع السياسة المصرية بهذا الشأن؟ وهل يساوي ما تكسبه مصر من جعجع ما تخسره على محور علاقاتها مع سوريا؟.
ليس في معطيات الوضع السياسي الداخلي السوري ما يجعلنا نعتقد أنه أفضل أو حتى مساو للوضع السياسي الداخلي في مصر؛ فمن هذه الزاوية يظل الوضع المصري أفضل لجهة اتساع هوامش الممارسة الديمقراطية وحرية التعبير وحرية الصحافة بما لا يقارن مع الأوضاع المغلقة في سوريا، ولكن المؤكد أن السياسة الخارجية السورية تتمتع برؤية أكثر وضوحاً وأكثر تماسكاً في تحركاتها الإقليمية بدلائل كثيرة، منها إمساكها بفرصة انفراج علاقاتها مع تركيا، وتطويرها لهذه العلاقات في بضع سنوات بما يفوق مستوى العلاقات المصرية التركية، التي لم تتعرض لأزمات حادة خلال العقود الأخيرة كالتي حدثت بين سوريا وتركيا نهاية التسعينيات.
حنكة الدبلوماسية التركية تجلت في زيارة أحمد داوود أغلو لدمشق، في الوقت الذي كان الرئيس جول يزور القاهرة. والتصريحات التي خرجت بعد اجتماع داوود أوغلو مع الأسد أكدت تميز «العلاقات الثنائية بين سورية وتركيا»، وأن «الحلول لمشكلات المنطقة تأتي من دولها وليس من الخارج». والحصافة الدبلوماسية في الخطوة التركية واضحة جداً؛ كونها راعت حساسيات العلاقات المصرية السورية، وسدت الطريق على احتمالات ظهور تأويلات سيئة قد تؤثر سلباً على العلاقات السورية التركية.
برأينا أنه ليس من مصلحة مصر ولا سوريا ولا تركيا أن يكون أحدها محذوفاً أو غائباً من مثلث القوى الإقليمي الذي يجمعها. وأن "الثالث" الذي يجب أن يرفع ويحذف بحق من منظومة العلاقات الإقليمية في منطقتنا هي "إسرائيل"، وهي فقط.



