|
"فقه العمران": ندوة ليس لها بديل د. إبراهيم البيومي غانم المصدر: صحيفة السبيل |
![]() |
ثلاثة أسباب جعلت ندوة سلطنة عمان عن الفقه الحضاري الإسلامي (مسقط: 3-6 أبريل 2010) ليس لها بديل من حيث موضوعها، وبما توافر لها من الرصانة والإتقان، وبما انتهت إليه من نتائج عملية قابلة للتطبيق في آن واحد. وهذه الأسباب الثلاثة هي:
1- جدة موضوع الندوة؛ فللمرة الأولى يكون "الفقه الحضاري" موضوعاً للمدارسة والحوار بين نخبة العلماء ذوي الاختصاصات المتنوعة في شئون الفقه، والاجتماع، والسياسة، والطب، والتاريخ، والاقتصاد، والآثار، واللغة، والفلسفة.
وإلى جانب تنوع خبراتهم، فإنهم جاءوا من حوالي عشرين دولة عربية وإسلامية منها: تركيا، ومصر، والجزائر، وإيران، وسوريا، ولبنان، والمغرب، وإستونيا، والبوسنة والهرسك، وليبيا، وماليزيا ...إلخ، إضافة لنخبة متميزة من الباحثين العمانيين، الذين كان أداؤهم المتميز مثار إعجاب طوال أيام الندوة، ومستواهم أعلى بكثير من نظرائهم في دول الخليج الأخرى.
2- إخلاص وتفاني الجهة المنظمة (وزارة الأوقاف والشئون الدينية بالسلطنة)، وابتعادها عن إغواءات التسييس، وضجيج التشويش الإعلامي. ولنا على ذلك دليلان: أولهما غياب أية أمارة على أن ثمة هدفاً غير علمي من وراء هذه الندوة مثلما يحدث عادة في ندوات كثيرة تنعقد خصوصاً في بلدان خليجية أخرى، ولا تكاد تتبين لها غاية غير سياسية، أو غير دعائية؛ إلى جانب أن أغلبية تلك الندوات ذات مضامين مكرورة، وأفكار مستنسخة من هنا وهناك.
وثانيهما الانضباط الصارم في أداء فريق العمل المسئول عن الجوانب التنظيمية والإجراءات الخاصة بوقائع هذه الندوة منذ توجيه الدعوات للمشاركين إلى الجلسة الختامية، فجاءت وقائعها بنظام، ودقة، والتزام، ولم يحدث -مثلاً- تجاوز للمواقيت المحددة للجلسات، ولا خروج عن موضوعها الذي خصصت له، مثلما يحدث في كثير من الندوات الأخرى بحجة أن "سيف الإبداع يتغلب دوماً على سيف الوقت"! ثم لا تذكرك تلك البحوث إلا بالمثل التونسي الذي يقول: "تحمل قفيزاً، ولا تجد حفنة".
3- مناخ الحرية الذي يلمسه كل من يزور السلطنة، ورصانة البحوث التي قدمها المشاركون والمناقشات التي دارت حولها. والأمران لا ينفصلان؛ فدون الشعور بالحرية لا يستطيع العلماء والباحثون البوح بما يعتمل في صدورهم، أو يجول بخواطرهم، أو ينقدح في أذهانهم. وقد كانت الرصانة بهذا المعنى هي السمة الرئيسية لبحوث الندوة ومناقشاتها، اللهم إلا من قيدته نوازع نفسه، أو رضي بأن يبقى قابعاً في قاع محبسه ويأنف الخروج منه بمحض إرادته.
أغلبية ندوات ومؤتمرات النخب "العلمية أو الفكرية أو الثقافية" العربية باتت تنعقد وهي فاقدة ابتداءً لمواصفات الجدة والجدية، وترى أغلب المشاركين فيها وهم عاجزون انتهاءً عن بلورة نتائج محددة وذات معقولية، وبعيدة عن الوجوبيات، وقابلة للتطبيق، ومن ثم فإن أحاديثهم داخل القاعات لا تكاد تتجاوزها، وسرعان ما يختفي أثر تلك الندوات، وتصير أعمالها في عداد المفقودين من الوعي العربي.
ندوتنا هذه تناولت موضوعات جديدة، وجادة منها مثلاً فقه إدارة المياه وأثرها على سلامة البيئة، وفقه الطريق وقواعد المرور في شوارع المدينة الحديثة، وفقه الرياضة وألعاب القوى...إلخ.
النتائج الآتية هي من أهم ما توصل إليه المشاركون:
1- إنَّ للفقه الحضاري أو فقه العمران مفهومًا شاملاً لا يقتصر على الجانب الإنشائي أو المادي فحسب، بل يشمل جوانب معنوية كثيرة تكتمل بها نظرية الحضارة الإسلامية، فهناك قيم العدل والأمن والعلم والحرية والرخاء والأخوة والتعاون والتكافل وغيرها من الجوانب المشرقة في حضارة الإسلام، لا بُدَّ من العناية بها فقها وتأصيلاً. وأن علينا أن نقدم فقهنا الحضاري للعالم أجمع على أنه مشروع متكامل.
2- فتح الإسلام أفق النظر في الكون للاستفادة العلمية والعملية: (قل سيروا في الأرض فانظروا)؛ وأوصت الندوة بإعداد مصنف مرجعي يشتمل على نصوص الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المرتبطة بمكنونات الفقه الحضاري، مرتّبًا ومبوبًا على مسائل العمران، بحيث يُشكِّل مادَّة نصِّية مرجعية في ذلك للباحثين وطلاب المعرفة.
3ـ إعداد مدونة واسعة للفقه الحضاري تشتمل على مباحث الفقه المتعلقة بمسائل العمران وفقه البيئة والمياه ونحوها، لإيجاد فقه مفصل مؤصل في هذه المجالات بين أيدي الفقهاء المحدثين، يُربط فيه الفقه الحضاري بالفقه الموروث وفق المذاهب الفقهية المتعددة، ثم وضع إطار مستقبلي لاستيعاب مستجدات الحياة الحديثة المعاصرة.
4- للعمانيين إسهامات واضحة في بناء الحضارة الإسلامية منذ دخول الإسلام، وقد كان عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي شاهدًا حضاريًّا على ذلك، لما احتواه من قيم ومبادئ تضبط سلوك المسلم في حالي السلم والحرب، والرخاء والمحن، ومن منطلق هذه الوثيقة الحضارية العمانية أوصت المشاركون بدراسة كلّ ما حفظه التراث من عهود إسلامية سابقة لاستخراج الأسس الحضارية والاستفادة منها في بناء الحضارة الإسلامية الجديدة، وقضايا التواصل والتعارف مع الأمم الأخرى.
5- إظهار رؤية الإسلام في إعمار الكون وإصلاحه، وعنايته بتنمية حياة الناس وجميع الكائنات والمخلوقات في مختلف البيئات، من خلال قواعد الفقه ومقاصد الشريعة المعنية بذلك، ليكون هذا ردًّا حضاريًّا على ما يُتّهم به الإسلام من إرهاب وعنف ونحوه.
6- دعم السياسات التي تحافظ على سلامة البيئة ونقائها، وتحد من تلوثها، إلى جانب التوعية المستدامة لحماية البيئة وصيانتها لتكون عونًا على الحياة الكريمة.
7- الحدّ من ظاهرة التصحر والاحتباس الحراري والاهتمام بالتشجير انطلاقًا من حضِّ الإسلام على الغرس والزرع.
8- إحياء الآداب والأخلاقيات التي أسهم بها الفقه الإسلامي في التعامل مع المياه، والتراث الموروث يحتوي على جوانب عدة لا تزال تحمل بداخلها عناصر بقائها وفاعليتها في هذا المجال، ووضع ميثاق أخلاقي لاستهلاك المياه وتضمينها في قوانين إدارتها.
9- الاهتمام بمسائل تقسيم الأراضي والاستثمار العقاري، والإفادة في ذلك من الموروثات الفقهية والخبرات الكبيرة للمزارعين بما يخدم أغراض التنمية والبيئة الصحية.
10- إحياء آداب الطريق التي حض عليها الإسلام وجعلها من المصالح العامة التي تجب المحافظة عليها، وصرف كلّ ما يؤذي المارّة عليها، ومن هنا وجب التزام قواعد المرور التي يُؤدِّي التفريط فيها إلى الإضرار بالآخرين، ونشر ثقافة الوعي بهذه القواعد على أنها واجبٌ شرعيٌّ يستحق مخالفُه العقوبةَ الأخروية مع العقوبة الدنيوية.
وأن يراعي مرتادو الطريق حقوقها المادية والمعنوية، كالستر وغض البصر ورد السلام ونحوها، وكذلك يلزم المشرفين على الطرق حفظ الحقوق الاجتماعية والأخلاقية، وتجنيب كل ما شأنه التشويش على قائدي المركبات ووقوع الحوادث.
11- اتخاذ الإجراءات والوسائل التي تحول دون التلاعب بالأسواق المالية والاحتكارات، وتشجيع المؤسسات المالية على التعامل وفق قيم الفقه الحضاري باعتبارها حلولاً للأزمات المالية الحالية.
12- لا يقتصر دور المسجد على أداء العبادات البدنية كالصلاة، بل يشمل كل جوانب الحياة التي لها صلة بالمسجد كالأنشطة العلمية والاجتماعية، وهذا يستدعي التنسيق بين علماء الشريعة والمهندسين المعماريين عند تصميم المساجد لاستغلال جميع مساحات المسجد وتزويده بالمرافق اللازمة لأداء رسالته.
13- دراسة حقوق العمال ونشر ثقافة احترام العامل وعدم ازدرائه وانتقاصه، وإعمال المبادئ الأخلاقية الحضارية المتصلة بحقوق العمال.
14- تعميم التصورات الفقهية الحضارية في مناحي الحياة المختلفة، وإشاعتها عبر وسائل الإعلام والدروس والمحاضرات والخطب، وضمن المناهج التعليمية بشقيها العام والعالي، وذلك لبيان عظمة التراث الفقهي من جهة؛ ولاستعادة بعض تلك القيم والتعاليم والتأسِّي بها من جهة أخرى.
15- يجب أن يكون هناك تواصل بين المشتغلين بالفقه الحضاري والمعنيين بتطبيقه في المؤسسات المدنية، من أجل تضمين القيم والأحكام الفقهية العمرانية التشريعات والقوانين، الأمر الذي يؤدي إلى دقتها وانضباطها مع مقتضى الواقع وتغير أحوال المجتمع ويضمن استمرارها واستدامتها، مع الاهتمام بإظهار دور الأوقاف الإسلامية في تفعيل فقه العمران.
ندوة "مسقط" عن فقه العمران هي حلقة في سلسلة ندوات متميزة بدأتها وزارة الأوقاف والشئون الدينية في سلطنة مسقط سنة 2002. وبانتظام الندوة عبر السنوات الماضية تراكمت لدي "الوزارة" خبرات تنظيمية وإدارية رفيعة المستوى في تسيير الندوات العلمية، هي في رأي كثيرين ممن شاركوا في الندوة الأخيرة تفوق ما لدى أغلبية الجهات والمراكز البحثية الأكاديمية المتخصصة في الأعمال العملية والفكرية منذ عدة عقود.
ووسط زحمة الندوات والمؤتمرات والحلقات النقاشية التي تنعقد بالعشرات شهرياً، وبالمئات سنوياً على طول العالم العربي وعرضه، وتئن منها العواصم والمدن الشهيرة بصفة خاصة، لا تكاد تعثر من بينها على واحدة تتوافر فيها مواصفات "الجدة والجدية" ناهيك عن الخروج بنتائج تخاطب المستقبل، أو تكون قابلة للتطبيق في الواقع، وهذا ما تحقق إلى حد كبير في ندوة الفقه الحضاري في مسقط بسلطنة عمان.




